ابن العربي
882
أحكام القرآن
المسألة الرابعة - قال بعضهم : يدل قوله : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض - على تكليف الجهاد لسائر الأنبياء . قلنا : كان الجهاد واجبا على أنبياء « 1 » قبل محمد ، لكن لم يكن لهم أسرى ولا غنيمة . ومعنى قوله : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى ما كان لك يا محمد أن يكون لك أسرى حتى يغلظ قتلك في الأرض ، وتثبت هيبتك في النفوس . الآية الموفية عشرين - قوله « 2 » : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ . فيها سبع مسائل : المسألة الأولى - في سبب نزولها : روى أبو هريرة وغيره ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 3 » : غزا نبىّ من الأنبياء ، فقال لأصحابه : لا يتبعني رجل بنى دارا ولم يسكنها ، أو تزوّج امرأة ولم يبن بها ، أو له حاجة في الرجوع . قال : فلقى العدوّ عند غيبوبة الشمس ؛ فقال : اللهم إنها مأمورة ، وإني مأمور فاحبسها حتى تقضى بيني وبينهم ، فحبسها اللّه عليه ، فجمعوا الغنائم فلم تأكلها النار . قال : وكانوا إذا غنموا غنيمة بعث اللّه عليها نارا فأكلتها ، فقال لهم نبيهم : إنكم غللتم فليبايعني من كل قبيلة رجل ، فبايعوه فلزقت يد رجل منهم بيده ؛ فقال له : إن أصحابك قد غلّوا فأتني بهم فليبايعونى ، فلزقت يد رجلين [ أو ثلاثة منهم بيده ] « 4 » ، فقال لهما : إنكما قد غللتما ، فقالا : أجل ، قد غللنا صورة رأس بقرة من ذهب ، فجاءا بها ، فطرحت في الغنائم ، فبعث اللّه عليها النار فأكلتها . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنّ اللّه أطعمنا الغنائم رحمة رحمنا بها ، وتخفيفا خفف عنا لما علم من ضعفنا . قال الإمام رضى اللّه عنه : قد بينا في غير موضع وجه هذه النعمة وفائدة ما فيها من حكمة ، وأنّ اللّه جعل رزق نبيه محمد وأمته من أفضل وجوه الكسب ، وهي جهة القهر « 5 » والاستعلاء .
--> ( 1 ) في ل : على الأنبياء . ( 2 ) آية 68 . ( 3 ) صحيح مسلم : 1366 ( 4 ) في ا : يد رجلين ، وما بين القوسين من ل . ( 5 ) في ا : وهي جهة النعمة .